عبد الكريم الخطيب

23

التفسير القرآنى للقرآن

إنسان يعمل غير ناظر أبدا إلى ما للّه من سلطان فيما يعمل . . وبين إنسان لا يعمل شيئا ، مستسلما لما يأتي به القدر . . وكلا الطرفين جائر ، بعيد عن الطريق السّوىّ المستقيم ! قوله تعالى : « وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ ، قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ » . آوى إليه أخاه . ضمّه إليه ، وخلا به ، وكان له أشبه بالمأوى الذي يأوى إليه الإنسان ، فلا يراه أحد . . لا تبتئس : أي لا تحزن ، ولا تضق ذرعا بما سيكون منهم لك ، من اتهام وقذف . . وهكذا بدأ يوسف تنفيذ الخطة التي اختطها من قبل ، والتي بها حمل إخوته على أن يأتوه بأخيهم من أبيهم هذا ، فخلا به يوسف وأنبأه أنّه هو أخوه يوسف ، وأنه لن يكشف عن نفسه لإخوته الآن ، حتى يضعهم أمام التجربة التي أعدّها لهم ، وأن على أخيه ألّا يجزع ولا يقع في نفسه ما يسوؤه منهم ، خلال تلك التجربة ! « فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ » . السّقاية : القدح الذي يستخدمه الملك لشرابه ، ويستقى به . . والعير : الدوابّ التي تستخدم للحمل والركوب . وتبدأ التجربة بأن يأمر يوسف غلمانه بأن يدسّوا القدح الذي يستخدمه لشرابه في رحل أخيه ، ثم ينادى مناديه وراء القوم وقد تحركوا للمسير نحو العودة إلى ديارهم . . وفي المناداة عليهم بقوله : « أَيَّتُهَا الْعِيرُ » بتوجيه النداء إلى عيرهم ، دون